في البدء وهِمتُها هبة الرب لي؛ حُسن ثواب الدنيا لتوبتي؛
لأفيق عليها عذابه؛ بُعثت برمحها الناري لتكمل لعنتي؛
ظننتها من نور أهل السماء؛ لم يشُبها دنس ولا كدّرتها خطايا ونسياناً أن بعض الظن حُمق وكله غباء؛ وجدتها حقاً ملاك؛ ولكنه كان... (ساقطاً)؛
هنا فتحت عيني؛ ومسحت ما ترقرق من دمع حاولت أن امنعه بشق الأنفس؛ فشق أنفاسي و بين أجفاني سبيله ومضى ينهب خلايا الخديّن؛ مُلهباً لهما معاقباً على كبر ذنبي وعظم جريرتي (حُبها)؛ لأرفع وجهي مستقبلا لها في نزولها من المبنى الذي يحوي مقر عملها؛ متجهة صوب عربة(عشيقها)؛
رُحماك إلهي؛
قرّب مسيرها ولتلقاه على عجلِ؛ فليست الأرض ما تطأ بخطاها وإنما قلبي؛
دققت النظر فيها فرأيتها كما هي؛ ربّة الإغواء و صنم الألاعيب ترفُل في مسوح الراهبات؛ اختلط علي ما يحيط بياض وجهها المستدير وما يفيض من عينيها المتسعتين من نور؛ أضياء الشمس أم هالات القديسات؛
أستجمع نفسي ههنا؛ منتزعا لها من أوهامها؛ طارقا أبواب الحقيقة المتجلية أمام ناظريّ؛
فتحت باب العربة وولجت إلى جواره؛ لينطلق بهما وأنا من خلفهما في طريق حفظته عن ظهر عقل؛ فلشهر كامل أقوم برحلتي تلك خلفهما يومين من كل أسبوع؛
فمنذ أثارتني الشكوك بها بعد تغييرها؛ عزمت التحقق مما داهمني؛ أحقا عادت لما اقسمت المرات تلو أختها ألا إليه تعود؛ أم أن ما راودني ما كان إلا الشيطان أبتئس لفرحة قلبينا؛ لأكمن لها بجوار عملها عدة أيام حتى كدت أمل و أتيقن من عبث الشرير بروحي؛ لتصدمني يومها بنزولها ومصاحبتها لذاك الوغد في ذات الرحلة التي أقودها الآن؛
لم اتمكن يومها من اتباعهم لذهولي وعظم صدمتي؛ ولكني أستطعت ذلك فيما تلاه من أيام وأسابيع أتمت رابعها؛
دقائق معدودات وكانت سيارته تتخذ مكانها أسفل بنايته؛ فالطرق خالية في (السادات) كمدينة عمرانية جديدة وهادئة؛ والبيوت خاوية؛ فالجميع كبارا في أعمالهم وصغارا في مجامع تعليمهم؛ يصحبها صعودا إلى وكر اللذات وموطن اللعنات؛ تاركيّ من خلفهما صريع ما أغرقني من خيالات؛
الآن يفعل بها كذا وهي تفعل ذاك ......
اااااه لو أن لي بعقلي قوة أو آوي إلى ركن من فقدان الذاكرة شديد؛
لأفيق من صرعتي المعتادة سريعاً؛ فلا وقت ليضيع هبائاً في سيل الذكريات وكفكفة الدمعات؛
أنظر الوقت بعدما تركت لهما فسحة منه ليتخذا موضعهما المنشود؛ وألقي نظرة أخيرة على هيئتي في مرآة عربتي؛ ومنها خرجت ومتقفياً أثرهما صعدت؛
أقف أمام اللوح الخشبي الذي يحول بيننا؛ مُنزلاً عن ظهري حقيبة حُمّلت بأدوات تَلَخّص لي إحتياجها يوم أن قطعت أمري وعقدت نيتي مبيّتاً على ما أنا مقدم عليه من فعل؛
أخرجت بضع أدوات معدنية وعالجت بها مغاليق الباب الموصد كما شاهدت مئات المرات في تسجيلات قمت بتحميلها خصيصاً لغايتي تلك من الشبكة المظلمة (دارك ويب)؛
استرجعت في عقلي كل الخطوات التي مارستها على باب منزلي وبعض منازل الجيران كتدريب عملي في الأسبوعين الماضيين؛
وجاءت تكة الفتح معلنة بنجاحي في اختباري و إنتقالي للصف التالي في رحلتي؛
تركت الباب على وضعه مخرجاً من حقيبتي نعليّن قماشيين متسعين؛ قمت بحياكتهما بنفسي؛ إرتديتهما أعلى حذائي؛ لأفتح الباب بعدها برفق شديد حتى بدت مفصلات تثبيته في حلقه؛ لأُلينها ببضع قطرات الزيت من عبوة في حقيبتي؛
حركت الباب بعدها فتحاً وغلقاً فما نبس ببنت صرير؛ لأدخل محكما غلقه خلفي؛ وأترك الحقيبة بجواره بعد أن استخرجت منها بقية ما أحتاج لإتمام عملي؛
سكيناً حادة النصل يتواجد مثلها الملايين في كل بيت؛ وسلاحاً نارياً في حجم كف اليد؛ اقتنيته مع كاتم صوته أبان الانفلات الأمني؛ ولفافة شريط لاصق احتفظت بها في جيب ثوبي؛ تقدمت مُشهراً أسلحتي متخطياً الغرف وأثاثها المتناثر متتبعاً أي مصدر لأي صوت؛ ولم أكد أرهف السمع حتى جائتني أنّات المتعة بالهدف؛
لأتقدم صوب ما علمتها غرفة النوم ؛ لأجد بابها موارباً ومن ثناياه شاهدت ما انخلعت له روحي؛ استند بظهري على الحائط لثوان مستعيداً ومستجمعاً رباطة جأشي؛ وعلى استحياء فعلت؛ قبل أن أسقط مغشياً عليّ لفقدان العقل؛
أتممت قرابة الدقيقة في وضعي ذاك؛ يحدثني صوت داخلي بأن عد أدراجك ودعهم لخالقهم؛ يقتله في مهده آخر ارتفعت عقيرته بأن لا؛ اقتص لنفسك ولتجد في جريان دمائهم راحتك؛
لأسلك بفُلكي المشحون طالباً لنهر الدم المخزون؛ راكلاً ما كان موارباً ليصبح على مصراعيه مفتوحاً؛ ليفزعا بي على رأسيهما مشهراً أسلحتي في وجهيهما؛
انطلقا يخصفان على عرييهما ما طلبا من ورق التوت المفقود
(محدش فيكم يتحرك؛ عايزكم زي ما انتم كده)
جاءت عبارتي بصوت مغاير بعدما وضعت أسفل لساني نواة بلح تحسباً لأي طارئ يدهمني وحسناً فعلا إذ كانت الطاعة العمياء جواب ما أمرت؛ لأُصعّد النظر في عينيها التي طالعتني برعب نطقت به قسمات وجهها وجهلا انطلق به لسانها:
(انت مين)-
لم اهتم برد سؤالها ولم اتعجب له أيضا؛ فالوقت الآن هو عدوي لا القربانيّن المُوشك على التضحية بهما على مذبح عشقي المقتول لأُلقي للوغد العاري شريط اللاصق؛
(اربط ايدها ورا ضهرها)
ليطيع من فوره محكما ربطها؛ ليتبع ذلك بتكميم فمها كما أردفت عليه؛
إن لتلك الفوهة الباردة أثر السحر في النفوس وإجبارها على الطاعات؛ و متضافرة مع حسمي وهيئتي لم يكن أمامه إلا الانصياع لي؛
استعدت منه اللاصق وألقيت له السكين بدلا منه؛
لتحدثني نظرات الرعب في أعينهم بعلمهم نيتي؛ لأقطع نظراتهم بصوتي الآمر؛
(متخافش مش حتدبحها؛ بالعكس ده انا حخليك تعمل اللي كان نفسك فيه و هي بترفضه)
تحول الرعب الى بلاهة و عدم تصديق لما طلبت؛
فلتغرس النصل في موطن عفتها الموهوم حتى مقبضه؛
ارتج عليهما معاً؛ ليأتي نواحها المكتوم صارخاً بتجلي العذاب قبل تذوقه؛ وجائت دموعه المنهمرة رفقة بوله لترسم لوحة غنية عن الوصف بما يدهس كيانه؛
وتالله فكل ما وجدا وسيجدا لا يبلغ مُد ما أُعاني ولا نصيفه؛
أيألمان للحظات أما انا ففي أتون العذاب مذ شهر فات و لأعوام قادمة الرب وحده يعلم متى ستنتهي؛
مش حكرر كلامي؛ انا عارف انك ملكش ذنب وسهل تثبت انك مجبر؛ انا حتكلم معاك شوية وسيبك بعد ما تنفذ) )
ألقيت له قشة يتعلق بها؛ الرغبة في الحياة؛ غريزة لا يخطأ من طرق بابها؛
جائت نظرة عينه بعد حديثي الاخير مغايرة لما كانت؛ ليلتف إليها مثبتا ساقيها بثقل جسده؛ غارساً السكين ليغيب حتى تلاقى المقبض والغمد؛
يتفجر مطعنها بذلك الأحمر القاني؛ دم بكارتها المزعومة الممزوجة بدم حياتها
تركتها تنتفض وتتلوى كذبيحة مقيدة؛ وألتفت إلى قاتلها؛ أتلوها عليه؛
(ولكم في القصاص حياة)
تبعها ثلاث طلقات خرجت بفحيح كتم صوتها؛ استقرت الاولى بذكره؛ والثانية بين عينيه والثالثة في صدره؛
لأقترب منها ناظرا إلى عينين كنت أنظم الشعر فيهما يوما أراهما يخبوان رويدا رويدا؛ لأُغمضهما مُقبلاً ما بينهما؛ ومسرعاً جمعت فوارغ الطلقات وانطلقت حاملاً حقيبتي عائداً من حيث اتيت؛
ركبت العربة التي حرصت على إبقائها بعيدا؛ لأقفل إياباً الى موطني؛ سلكت سبيلي في طرق المدينة الاقل طرقاً؛ حتى وجدت درب العودة؛ والذي كان بحق درب الآلام؛
إجترّ عقلي أمام بصري شريط الأحداث بتوثيق زمني؛ منذ النهاية وحتى البدء؛
شهر العذاب الأليم؛ علمت فيه بخيانتها؛ توثقت وعليها خططت؛
سبقه شهر من النعيم المقيم؛ هيجت في كل شعور وعاطفة حسبتها ماتت؛ احيّت قلبي بكلماتها؛ وخدرت عقلي بهمساتها؛
لتنهيني مسحورا بصورها؛ تلا بضعة أيام من تصلية الجحيم؛
بدأت بقصّها على مسامعي خبيئة نفسها؛ و انحلال عقدة شيطانها؛ بعد الجُرم المشهود الذي ارتكب في حقها؛
(تحرش بي فهددت وأعادها فشكيت؛ أنكر ما قلت ليبرؤوه ويقذفوني، عندها منهم ومنه ومن جسدي؛ به إنتقمت)
خمسة أعوام جازت فيها حد المراهقة إلى الشباب معقود عنقها بنير ذلك الشيطان؛ تلقاه حيناً وتجفاه آخر؛ قد تهوى هذا أو يعجبها ذاك؛ فتفارق مداره ولا تلبث فتعود جواره؛
أضرم النار في روحها واضطرب لذلك عقلها؛ ولذا جائتني بحثاً عن خلاصها؛ وهكذا كانت بدايتنا؛
تابعتني خفية لأسابيع تبعت قرائتها لإحدى منشوراتي عرضاً؛ توسمت في عقلا راجحا ومعرفة بخبايا النفس وظلامها قبل نورها؛
لتسلك إلى محادثتي سبباً؛ وبها إلى الألفة ركناً؛ لشهر لا نفارق حديث ذات بيننا؛ نتضاحك ونتسامر ونسخر حتى من فوارق أعمارنا؛ لتنبض المُضغ بما جاءها من أمر ربها؛
لتقرر بعدها أن تروي ما اخفته نفسها؛
صدمت؛ هلعت وفزعت لتقاسمني أنها من التائبين وأنها تحبني حب المحسنين لرب العالمين؛
ومنصتاً لقلبي صدقت حديثها؛ واعداً اياها لأذهبن الى آخر الدنيا خلفها؛
ولم أعلم أي لبؤة تلك التي أغراها ذلك الصيد؛ ذئب هَرِم؛ زحف الشيب على فرائه؛ وتضعضعت انيابه؛ وتقلمت مخالبه؛
كنت فريستها تعبث بي قبل ازهاق روحي؛
كما لم تعلم هي أن الذئاب وإن شابت فرائها؛ فالصيد غريزة في دمائها؛ ومع جهلها لاقت مصرعها رفقة شيطانها؛
سيصبح العالم غدا فاقداً لداعرين؛ اذا فلقد احسنت الصنع لم أُسيء؛
انتزعني وصولي لمنزل صديقي مبرمج الحاسوب المحترف والممثل المسرحي الهاوي من أفكاري؛لأصعد منزله؛ معيدا له مفاتيح عربته التي اقترضتها منه صحبه ثوبي وبقية أدوات تنكري؛
حرصت قبل صعودي على خلع قفازات يدي ودسها في حقيبتي؛ وبداخل شقته خلعت ثوبي وانتزعت الشعر المستعار الكثيف واللحية الكثة التي بدلت تماما من منظري؛
سحقاً إذا لأدوات مراقبتكم؛ فلتبحثوا عن هذا الشيخ القاتل إن وجدتموه؛
أصر على إيصالي لمنزلي فقبلت؛ فبرغم تمسكي بعزلتي وتقاعدي عن حياة الأصدقاء؛ أحببت أن يكون أحدهم بجواري؛ أعلم يقينا أيّة لحظات عصيبة تلك التي ستعصف بي في قادم الأيام؛
ووجدت ما ظننت؛ بأسرع ما تخيلت؛ فما إن ولجت من باب الدار أمسكت بهاتفي الذي تركته خلفي عنوة؛ لاعيد تشغيله ناظرا فيه؛ هممت أن أذهب إلى أحد معرفاتها على أي من التطبيقات التي نتحادث عليها؛
ولكني تراجعت؛
لما أتعجل العذاب ويقينا له موعدا لن يخلفه؛
تركت الهاتف وألقيت بجسدي على فراشي؛ أطارد عبثاً نوماً تفنن في الإختباء؛ اللعين جافاني وتركني جيفة تنهشني الأفكار؛
أرى ما سيحدث بعين الحقيقة لا الخيال؛ سيكتشفون الحادث اليوم ولعلهم فعلوا؛ سيبلغون الشرطة وستبدأ تحقيقاتها؛
اذاً مواجهة جديدة كتب علي خوض ساحتها؛
في هذه اللحظة هناك محقق يجعلني هدفه من دون العالمين؛ يحوم الآن حول الجثتين يجمع الأدلة ويرفع البصمات ويفرغ الأشرطة من كاميرات مراقبة المبنى؛
والنتيجة (صفر كبير)؛
أعلم أنك ستجن؛ فلم أترك خلفي حتى شعرة لتستدل بها على وجودي؛ أحكمت غلق ملابسي؛ حلقت لحيتي وشعر رأسي
قبل أن أكسوهما بتنكري؛ حتى نقش نعل حذائي أفسدته بالنعل القماشي؛ عذرا لا ضغائن بيننا؛ ولكن طريقك هذا مسدود إلي؛ جرب طريقا آخر؛
اعلم أن بافتقاده أدلة نصب التضحية سيعمل على علاقات القتلى؛ وهنا تكمن الخطورة؛ فأنا وإن كنت صديقا إفتراضيا؛ أظل في تلك الدائرة؛
لعن الله الحداثة؛ فكم من الوقت سيحتاج ذاك المسكين ليفرغ كل محادثات الضحيتين من مختلف التطبيقات؛ وهذا بالطبع بعد أن يفرغ من علاقاتهم الحقيقية؛
بدأت السكينة تعرف طريقها إلى نفسي؛ وإن ظل النوم على حاله مُجافياً أجفاني ؛ لأقوم من مرقدي؛ وأعيد تفعيل الهاتف؛ أتصفح بعض صفحات تتعلق بالمحليات وأخبار مدينتهم لأشاهد الخبر كأول ما ترى عيني
(حادث بشع؛ ذبح فتاة وزوج اختها...التفاصيل)؛
أمرر بيدي الصفحات تباعاً لأقف على التالي
(جاري حصر كل علاقات الضحايا ورفع الادلة من مسرح الجريمة)
بلسان رئيس المباحث؛(حضرة الضابط) الذي يستعد للايقاع بي؛
لأذهب إلى احدى تطبيقين كنت حتى أيام مضت أحادثها عليه قبل أن أختلق شجاراً إنتهى بحظري لها من كل المحادثات؛
أمر معتاد في عصر حلّ فيه الإعجاب بالمنشور محلّ النظرة والابتسامة أيضا في بعض الأحايين؛
أرفع الحظر عنها؛ ومن فوري أرسلت رسالة أعلم يقينا أنها لن تجد من يقرأها؛حتى يأتي دوري في كشف علاقاتها ومراجعة اصدقائها؛
حبيبتي انا اسف جدا اتعصبت امبارح بس غصب عني؛ خلاص متزعليش بقه سماح النوبه دي مستني تردي))
أنهيت رسالتي عائدا إلى مضجعي؛ وظللت على حالي تلك حتى صبيحة اليوم التالي؛
لأنهض إلى عملي؛ متخذا مقعدي خلف ماكينة الحياكة الخاصة بي ؛ دققت النظر وبدأت؛ حدقت في إبرة الماكينة التي تخيط ما يمر تحتها لأنظرها سكينا تمزق لحمها؛ فزعت أول الأمر؛ ابتلعت ريقي وأكملت؛ فمع مرور الوقت وتراكم النكسات والصدمات في حياتي اعتدت حتى ترقرق الدم من الصنابير لم يعد يفزعني؛
عشرون عاما أرى ما لا يراه الناس فلا بأس إذاً مع الجديد من الأوهام؛
ولثلاث أيام افتح المحادثات وأرسل لها إعتذارا لا يٌقرأ؛
حتى وقعت على الخبر الذي زفه هذا الموقع
(تضييق دائرة البحث وجاري تحديد المشتبه به الرئيسي، الجريمة تمت بغرض الانتقام والجاني على علاقة بالمجني عليها افتراضية)
اذاً حان وقت الصدام؛ سأعرض على التجربة وأخوض بين تلابيب الشرير؛ لأذهب من فوري الى غرفة المحادثات بيننا؛ لأجد ما توقعت؛
لقد تم قرائة رسائلك(seen)
هاه ذا(حضرة الضابط) على الضفة الأخرى من هذا البحر الافتراضي؛ قرأ ما اُرسل إليها؛ ولعله ينتظر الآن رد فعلي؛
بل مؤكد أنه يفعل؛ ومن الأدب أن لا تتأخر على من ينتظرك؛
(حبيبتي؛ يعني ينفع تقري الرسايل مترديش عليا)
أرسلتها وما كادت تصل حتى ظهر لي أنها قُرأت؛ وبرغم توقعي لمسير الأحداث بنجاح حتى اللحظة؛ فلم أتمالك تلك الرعدة التي إجتاحتني؛ إنه هناك والآن وينتظر مني أن أسقط في فخ يحيكه لي ببراعة؛
(برضو مفيش رد يا قلبي؛ خلاص بقه مكنتش خناقة دي)
أردت دفعه للتحدث؛ فأسرعت من وتيرة الإرسال؛ كلما قُرأت رسالة بعثت التي تليها؛
حتى شاهدت ما يعلمني أن شريك محادثتي يكتب رداً
لحظتها توقفت أصابعي؛ وانقبضت عضلاتي وحدقت عيني في انتظار ما سيأتي؛
....
مرت لحظات توقف فيها الكاتب عما يكتب عدة مرات؛ ليستأنف مرة اخرى؛ من دون أن يرسل شيئا؛
إذاً يكتب ويمسح؛
توتر أم أنه لا يجد مدخلا أم أن خطته لم تزل في طور الاعداد ويخشى إن أسرع أن افلت؛
(أنا خايفة؛ لا أنا مرعوبة)-
انتزعتني العبارة المستقبلة من شباك الصيد الى أتون الدهشة؛ توقعت أن يتقمصها ولكن ليس بهذا المدخل مطلقاً؛
(حبيبتي خايفة من إيه بس انا جنبك)
كان لزاما أن افارق دهشتي سريعاً؛ وحسناً فعلت؛ فلم يتأخر علي الرد
(واحدة صاحبتي اتقتلت، بيقولوا الي قتلها من النت)-
يا لك من(حضرة ضابط) بحق؛ مرحى إذاً ولنتراقص على السطح الدامي؛
(انتي بتقولي ايه بس متأكدة)
(اه والله بقولك صاحبتي من اولى ابتدائي لغاية جامعة)-
سكت هنيهة وهو سكوت مشروع وحتمي في تلك الحالات قبل أن أرسل
(اسمها ايه؟ طب واللي قتلها قتلها ليه)
هنا كان الصمت جوابي؛ يطول الصمت لدقائق قبل أن يأتي الرد
(اسمها ...مها)-
(ايه ده نفس اسمك؛ أعوذ بالله من الفال. حبيبتي متقلقيش، محدش يقدر يلمسك وأنا على وش الدنيا)
ليأتي الرد سريعا تلك المرة:
(انت بتحبني بجد صح)-
(ايه الجنان ده اكيد طبعا ازاي تشكي في حاجة زي كده)
(مهما عرفت يعني هتفضل تحبني)-
(اكيد طبعا ده حب مفيش ليه زراير)
سكت قليلا ليسقط سريعا ويحرق أوراقه
(انا كمان بحبك قوي عايزة اشوفك؛ حتى لو مش حتقدر تيجي اجيلك انا)-
(غريبة يا قلبي؛ من امتى بتحايل عليكي نتقابل وبتقوليلي لا صبر نفسك بالصور دي، حتى الفيديو كول رافضها)
(كنت فكراك هتفرح )-
لأرد أنا بعد أن أسقط (حضرة الضابط) نفسه في الفخ الذي حاكه لي
(ماشي موافق طبعا؛ بس افتحي حالا فيديو كوول)
(ليه ؟ اشمعنى يعني)-
(مش كده كده حنتقابل؛ ايه اللي يمنع اني اشوفك فيديو كول؛ وبعدين خايفة من ايه انتي مش لابسة مثلا)
(لا والله مش كده؛ بس عمري ما فتحت كاميرا في حياتي)-
سقطة اولى؛ لم تراجع تاريخ المحادثات جيداً؛ الفقيدة فعلتها أبان مراهقتها واخبرتني؛
(وهو انا حد يا قلبي؛ مش بتقولي انا غير الكل)
طال انتظاري بعد رسالتي تلك؛ مرت الدقائق عليّ مرور الساعات؛ علمت انه يأس من إسقاطي هكذا ؛ فإما إتباع لموقعي بوسائله الحديثة؛ وإما استبعادي من دائرة المشتبه بهم؛
(مها تتصل بك مكالمة فيديو)
أسقط في يدي؛ واشتعل عقلي ؛ و أُجزم أني أشتم رائحة إحتراق عظم جمجمتي؛
أمسكت هاتفي بيد ترتعش كل مفاصلها رغما عني؛ وبصعوبة بالغة وجدت زر الرد لأسحبه يمينا مستقبلا محدثتي؛
ثوان اهتزت فيها الصورة القادمة لضعف الشبكة على الأغلب؛ قبل أن تستقر(عليها)؛
كانت على الجانب الآخر؛ فتاة شديدة النحافة سمراء البشرة واسعة العينين تغطي رأسها بحجاب سابغ؛ ارتدته على عجل فأظهر خصلات من شعرها الفاحم السواد؛
نظرت إلي في خجل شديد دبغ بشرتها بحمرة أكسبت سمارها لونا محببا إلى النفس؛
لترفع عينيها وتحرك شفتيها
(انا اسفة جدا انا كذبت عليك؛ انا اسمي اسراء مش مها؛ مها دي .......)-
لتسرسل هادمة لكل ما عرفته يوماً عنها؛
كانت هي خلف الشاشة تروي لي قصة صديقتها؛ النصف السئ؛ من وثقت بها فاغتصبت هويتها وعملها صورها واسمها؛ وراسلتني بها؛ حسبت نفسها دميمة وغير مثيرة للشغف؛ فأرادت أن تثير شغفي؛
وكان لها ما أرادت؛
لتنتهي بسؤالي
لسه بتحبني؟))-
لأعود بظهري مسترخياً ومبتسما اجبت
(هو انا ليا غيرك يا عمري)
.
.



إرسال تعليق