U3F1ZWV6ZTUwNDA3OTUwNjI0MDg4X0ZyZWUzMTgwMTY5NDA3MjY3MA==


 

فـودكـــا

 




في البدء كان ظلام؛ يطأ بعتمته محيطنا، ثم كان نور شق سبيله بين الجنبات لطردها، ليسْطَع ضوءه نازعاً كل أثر للعتمة وظلامها، إلَّا من بقايا في أعين المتحلقين المنهمكين في إطفاء شموع بالية توشك على الموت حرقا في مُذاب لحمها!

(الله نور السماوات والأرض)

كانت أول ما تردد صداه بين جنبات الجدران التي تأوينا، صحبة قلة من المرتادين لا يشغلون إلَّا قرابة ثلث المقاعد المتناثرة حول طاولاتها،

مددتُ بصري إلى ما يستشرف أولها لأعيد اكتشاف ما سبق ورأيتُ ساعة دخولنا منصة تعلو سطح الأرض ينتصب عليها عازف أحسبه يرى بشق الأنفس مفاتيح آلته التي لا يعزف عليها إلَّا قليلاً،‏ يرافقه بقايا عظم كسيت لحماً لا يظهر منها إلا شعر كثيف في الرأس وشارب أشد كثافة استغل عودة الكهرباء لإعادة وصلته الغنائية التي قطعها عليه انقطاع التيار. يُصَاحِبَهما سيدة تعرت إلَّا من خفيف كساء؛ تهز في حماس كل ما يمكنها هزه من أعضاء جارت عليها سنوات عمرها التي بدا لي أنَّها تخطت الأربعين مذ أمد بعيد لتثقلها بأرطال شحم، وبشرة عانت الأمرَّين في سكب مساحيق التجميل عليها لتخفي تجاعيد وشقوق انتشرت في بدنها تذكرنا وإيَّاها بحقيقة أمرها. كانت تلتف على عقبها في محاولة بائسة لاستعراض جسدها، حينما التقطت عيني ما أقسم أنَّه ركلات جنين تكور في رحمها ليفسد عليها محاولتها في اخفاء شقوقها بما أحدث من ركلها.


أشحتُ حينها بوجهي عمَّا نُحِت عليها لأستقبل حوائط وَشَتْ بما صنع الزمن بها، أخاديد انتشرت بطول الجُدر وعرضها توارى بعضها خلف عدة صور زيتية مُقَلَّدَة فيما توارى البعض الآخر أسفل أخرى فوتوغرافية لذات المكان تناهز النصف قرن عمراً؛ تصف كيف كان حاله وتُبيّن عن طبيعة روادِّه، لتستوقفني صورة حديثة لامعة تحمل وجها ًبراقاً، منعني من تمييزه سحابة دخانية تميل إلى الزرقة مصدرها رجل يخطو في عقده السابع باطمئنان، لأعيد التحديق بها لأعرف فيها وجه (الوريث) يعلو عبارة واحدة

(شباب من اجل المستقبل)،

لأرتخي مسنداً ظهري لظهر مقعدي معتلياً الصورة بنظري لأبصر ساعة حائط لعل عمرها من عمر أول طلاء وضع تحتها، أطلت في تأملها لأدرك أنَّ عقرب الثواني وفقط هو من لا يزال متحمساً للعمل، أماَّ الدقائق والساعات فيبدو أنَّهما فقدا الشغف ليرتكنا سوياً على الرقم (12)؛


(ثلاثة سقارة زي ما طلبتوا، حاجة تاني؟)

كانت (سوزي) ساقيتنا هي صاحبة العبارة التي انتزعتني من شرودي إثر عودتها إلينا بما سبق وأملينا عليها بعد دخولنا الذي صَاحَبَه صراع سريع بينها وبين (مضيفة) أخرى تكبرها بضعف عمرها على أيهن ستقوم على طاولتنا، ليتدخل (المعلم) حاسماً الصراع للصغيرة جاذباً الأخرى من شعرها مهدداً إيَّاها بالطرد إنْ استمرت في غيّيها، لتستسلم بمقل دامعة، متخذة ذات مكانها في أول ممر يكاد يفيض بزخات المطر المنهمرة ويؤدي آخره إلى باب هذا المكان الذي انقطعت إنارته بعد دخولنا بقليل.

 

كانت ثالث مرة تقبل علينا من بعد ظفرها بنا، في الثانية جاءت تحمل الشموع البائسة على ضوء كشاف شحيح يكاد يزيد الظلام ظلاماً،

‏(أجيبلكم طيب تلاتة تانيين وافتحوهم براحتكم؟)

قالتها بنبرة لم يفلح كل تصنع الإغراء والتغنج الذي بذلته في إخفاء الاستجداء الذي يقطر منها، لأخلع على إثر عبارتها عويناتي وأسدد بصري إليها حاسماً الأمر

(شكرا يا سوزي)

كانت تدير غطاء آخر زجاجة لأنتبه أنها تبذل جهداً في إظهار (خاتم خطبة) ذهبي في يدها.

لا بأس عزيزتي لن نراودك عن نفسك، إنَّما هي الأقدار متحالفة مع روح المغامرة ما ألقت بنا هنا، لتنصرف بوجهها عنا ويدها تحاول عبثاً إعادة كنزتها الخريفية الملتصقة ببدنها إلى أصلها على حافة خصرها، لنبدأ في تناول زجاجات الجعة التي سندفع هنا ضعف ثمنها فيما لو تناولنها خارجاً، ومشاهدة الفرقة الهزلية التي انخرطت في تقديم فقراتها بحماس أُشكل علي تفسيره،


(وربنا يوم ما يتنسي)

نظرت لأحد رَفِيقَيَّ وقائل العبارة المنتشي بسعادة لم أجد لها ما يبررها، لأدير وجهي للآخر الذي انخرط في نوبة ضحك إثر سماعه عبارة أحدثنا سناً؛

(أهو دي اخرة اللِّي يمشي ورا. . )

كانت ما شرعت بقوله ولم أتمه،

قطعها علي (الباشا)

هكذا كان يلقبه الجميع مرحبين به،

حتى ذاك الشيء الذي يتوهم أنه مطرباً قطع ما كان فيه لينطلق في نوبة ترحيب للقادم علينا، ضخم الجثة بائن الطول، أظنه استهلك كل مخزون الهواء الصالح للتنفس في المكان إثر دخوله، وإلَّا ما كان تفسير ذلك الاختناق الذي شعرنا به.

‏كان ينتصب واقفاً بجوار المدخل يرد بإشارة من يده وإيماءة من رأسه على التحايل التي تلقاها، حتى قدوم المعلم عليه، مصافحاً إياه في حرارة داعيا إياه لطاولة مميزة في أول صف أمام منصة الفن الهزلي مباشرة، ليظهر امتعاض وجهه رفضا باتاً للدعوة الثمينة،

(أحمق)

لا يتوفر للمرء فرصة مشاهدة راقصة وجنينها سوياً وعن قرب كل يوم، ليزيح المعلم بيده ويتقدم منتصفاً للجميع. 

كانت وقفه إعلان سيطرة أكثر منها مراقبة، فلم يكن ينقصه إلا إراقة البول على الأرض ليصدح بها

(هنا نفوذي وموطن سيطرتي)

أتراني أبالغ؟

لا أعتقد،

فكل شيء حتى الهواء كما سبق وأخبرت كان يظهر خضوعاً تاماً،

إلَّا ثلاثتنا،

‏لا لشيء إلَّا لجهلنا به،

ليعود متمهلاً إلى حيث ينتظره (المعلم) واقفاً ليشير إليه بأنْ اجلس، ليتجاذبا على إثر جلوسهما حديث بدأ ودياً وهو ما لم يستمر كثيراً

(هو كل مرة تقولي الدولار غلي؟ ما اللِّي بيغلى عليك بتغليه عالناس)

كانت صيحته التي أعلنت انتهاء الود والتي أدار بعدها وجهه في وجوه الجلوس، ليقتنص ابتسامة ظفر عاد بها إلى (المعلم).


كنت أتابعه حينما سرى شعور بالتوتر في جنباتي وأنا أراه يعود بالحديث الهادئ للرجل المقهور على أمره، ليأتي صوت المعلم المنادي لسوزي فيزيد توتري محيلاً إيَّاه لقلق حقيقي عندما التفتت إلينا وأدارت رأسها بينا وبين الرجلين،

(محمود انت محرز؟)

كان سؤالي لصديقي الأول، والذي أجاب بأنْ لا، لينتبه إلى وجهي الذي بدا يتعرق متسائلاً 

(قلقان ليه؟)

أجلت إجابته وعدت بالسؤال لأحْدَثِنا سناً

(معاك حاجة؟)

لينفي من فوره وأهدأ قليلاً، لأعود بنظرة ثقة إلى الثلاثة الناظرين إلينا،

بدأ الغضب يكسو وجه (الباشا) وسط حيرة الآخرين، لأنتبه إلى أين كان يركز بصره تحديداً، إلى وجه رفيقي (الأمرد)،

(حسام انت عندك كام سنة؟ )

(٢١ سنة)

(بالضبط؟ )

(لا إلَّا شهرين). . 

هنا أطلقت سبة رغماً عني، ونظرت (محمود) بغضب هادر، وقد فهم ما يجري حولنا، (مصيدة) لا فكاك منها، سنضحي فيها بهذا الأرعن، سرت في الأجواء بعد علمنا موجة اقشعر لها أجساد ثلاثتنا، أزعم أن جميع الحاضرين حتى المخمور منهم شعر بها فأداروا وجوههم نحونا.


أشعل (الباشا) لفافة تبغ وأطلق دخانها صوبنا، لاستنشقها، أو هكذا خيل لي وأدار وجهه بين مالك المكان الذي اصطحب الساقية جانبا، وبيننا، ثلاثة طلاب جامعيين ألقاهم النزق في طريقه، أظنه كان يحسب في رأسه كم يمكن أن يجد في حافظات نقودنا، ولشديد الأسف لن يجد الشيء الكثير، وللدقة لن يجد ما يزيد عن ثمن زجاجات الجعة التي سبق وانتهينا منها، إلا قليلاً، لأدير بصري إلى الساقية التي بدأت في الارتجاف وهي تبدل نظرها بيننا وبين قنينات الخمر المتراصة خلف (البار)،

كانت تدعونا تلميحاً لشراء إحداها، ليسقط في يدي محدثا نفسي بأنَّه وغد يستحق ما سيحدث له، ولكن ماذا ستفعل قنينة خمر؟ ماذا ستغير؟

هذا ما ألَّح علي لحظتها، لأشير إليها أنْ تأتي،

لتنفرج أساريرها قليلاً قبل أنْ يجذبها (المعلم) هامساً لها بشيء ما ليطلق يدها بعدها، لتحضر في رجفة لم تغادرها، وتنطلق ساردة علينا حقيقة الوضع،

‏(الباشا) يريد حصيلة طاولتنا ليكف يده عن ثلاثتنا،

(لِمَ؟)

(لأنَّ المعلم لم يفِ بكل ما يجب عليه لتسيير أموره، وأنَّه يعلم لو أقبل علينا لخرج بأحدنا على الأقل في يده.)

كانت عينا الأرعن لحظتها تتسع فزعاً وهو يسمع مصيره المنتظر، فلقد وشت وجوهنا بنا ساعة أنْ أقَّر بحقيقة سنه، والوغد المسيطر يتشمم المشتبه بهم، فهكذا يكسب قوته، وشاط غضباً لما عرف قيمة ما أنفقنا، ولم يقبل به.

أدركت ساعتها أن َّحزن الفتاة على ليلتها التي ذهبت هباءً، بل أصبح عملها في مهب الريح، (المعلم) يساومها على حصيلة عملها الشحيحة من عدة طاولات بنفس راضية والَّا طردت، وذلك لن يغل يد (الباشا) عنا أيضاً، لأخبرها ما تقدم وكنا نعلمه، فلا مزيد من النقود لدينا، ناظراً بغل ظاهر إلى الأحمق الذي تورطنا،

(ستدفع ثمن حماقتك)

لتهم الفتاة بالعودة من حيث أتت تجر أذيال الخيبة قبل أن يمد الأرعن يده فجأة ويمسك بيدها طالباً منها الانتظار،

بهتني بفعله فلم أحرك ساكناً، حتى رأيته يفتح قبضة يده الأخرى عن لفافة مالية جهلت بطبيعة الحال قيمتها، ثبتتني المفاجأة لثوان كانت كفيلة بخسارة سباق نويت عليه ولم أدركه، اختطفت الفتاة اللفافة في سرعة البرق لتقطع علينا كل طريق لاستعادتها، لتشرع من فورها في عدها بعينين يشعان بريقاً، لتدير وجهها إلينا في ابتسامة كافحت لتخفي الظفر الفائض منها، رافعة يدها بدفترها وقلمها؛

هيا فلتطلبوا ما شئتم.


كنت لازلت على صمتي منذ أخبرتها أنَّ لا مجال لمساعدتها في مأزقها، أدير في رأسي المتصدع مما حدث؛ كل احتمال ممكن أن يحدث، لأتبادل مع (محمود) نظرة تشاور لا تخلو من عتاب لإصراره على اصطحاب جاره معنا، وَشَتْ عيناه بأنَّ الهزيمة المدوية ستكون نهاية كل سبيل نطرقه طلباً لصراع ما في هذا المكان، 

(عندك فودكا فينلاند؟)

هكذا قطعتُ حبل الصمت 

(طبعاً ومتقلقش احنا بنجيب أفخر الأنواع)

وهكذا جاءت إجابتها،

لتسرع بالكتابة في ورقها قبل أنْ تنزعها مسرعة وتلقي بها إلي،

(كده خالصين)

‏قبل أن تلتفت إلى الأخرق الصغير

(ميرسي عالتيبس الحلو يا حلو)

كان لا يزال هو هائماً في نظرتها ولعله كان يمني نفسه بصحبتها، فيم كنت أعاين أثر المجزرة التي سفكت فيها تلك اللعينة دمائه،

(٣ فودكا و٣ مكسرات فاخر)

كنت قائلها موجهاً نظري (لمحمود) الذي ضرب رأسه بيده في غضب طافح، لنتوجه إليه طالبين تفسيراً لما حدث،

(دي فلوس كتب وملازم الترم، مكنتش لسه جبتهم)

أوجز فأنجز،

(طب يا معلم حدخل أنا أتوضى عشان الحق اتركّع قبل الفجر)


انتزعتني عبارة (الباشا) الذي كدت أنْ أنسي وجوده في خضم ما نخوض فيه منذ دقائق، تحاشيت النظر إليه لسابق علمي على أي حال سيكون رد النظرات، لتقبل(سوزي) حاملة أطباق ما يفترض به أن يكون (مكسرات فاخرة)، لتلقيها على طاولتنا وتعود مسرعة من حيث أتت،

نظرة واحدة في تلك الاطباق كانت كفيلة بإثارة الاجهزة الهضمية لعشيرة بأكملها، لنعف عنها وأعود لأبحث عن تلك اللعينة حيث يفترض بها أن تكون، فلم أقف لها على إثر عند البار، لأدير بصري في المكان بأكمله، فيعود إلي يحمل نذر حسرات قادمة، ليتفجر راسي عندها بالظنون.


انتزعت لفافة تبغ وأشعلتها ممتصاً لها لقرابة ثلثها، معيداً ظهري إلى ظهر مقعدي، مطلقاً سحابة أوشكت على اصطحاب رئتي في يدها، لتنقشع كاشفة عن وجه (ذي الدخان الازرق)

كان يرمقني بعينين لا يطرفان، ورأس لا يتوقف عن الاهتزاز.

لم أكن في حال يسمح بتبادل نظرات مبهمة المعنى مع شيوخ غريبي الأطوار، ولكن لا بأس فلنرَ ماذا تريد أنْ تبلغني،

(أَجِئْتَ هنا يوماً في مقتبل العمر واحتبسوك قبل أنْ تفرَّ بثمن ما جرعت؟)

(أَمْ تشابهت الوجوه عليك؟)

كانت عبارات لم تتجاوز رأسي إلى حلقي، ولكن تحدث بها لسان عيني،

‏ليضيف ابتسامة مقيتة لنظرته الخالية وهزة رأسه،

(سحقاً لك أتريد العراك؟!)

ليدير لحظتها وجهه عني بادئاً على مهل ما حال بعد لحظات إلى نوبة من التصفيق صاحبها وجد لا تراه إلَّا في عتاة أهل الطرق حين ينتشون، لأنظر حيث يفعل،

(منصة الفن الهزلي)

وقد تحلق حولها من كان قادراً على القيام من الشرذمة المبعثرة في أنحاء المكان،

(سجنوا حبيبي يا ابااااااا

عملوني عليه سجاان)

كان المقطع الذي يبدو أنه حرك الدماء المتكلسة في عروق يابسة، ليدفع بأجسادها متراقصة.


لا أعلم إن كان المطرب البائس قد أغفل غناء بقية الموال نسياناً أم أنه استحسن استقبال القوم للمقطع الذي لم يكف عن ترديده، فتمسك به خشية إفلاته فيفلت النجاح الساحق الذي يراه بأم عينين أغلقهما (الوجد او الخمر) لا أستطيع التأكيد، 

فيما كانت الحبلى تتقصع او تتوجع مغمورة في ماء تَحِيرْتُه، عرق أَمْ دمع أَم ماء رحم يأن بجنين يركله طلباً لفك قيد فخروج، او هلعاً من خسارته ذات الستر اللحمي المتدرع به،


‏(سلام يا معلم، سلام يا رجالة أحلي مسا عليكم، زي ما أنتم زي ما انتم)

كان(الباشا) المبلل بماء وضوء أحسبه لصلاة النصر علينا في غارة لم نحسب لها حساباً، يلقي بيان الظفر على رؤوس الأشهاد، وأجزم أنَّه ما كان ليستملح طعمه إلَّا بنظرات انكسارنا.

اشتعل رأسي لأفقد صوابي للحظات، كانت كفيلة بأنْ ‏أسدد إليه نظرة باردة حال دون وصولها بدن (سوزي) المقبلة علينا، في خطوات مُثقلة حاملة لثلاث كؤوس وقنينة تشف عن سائل هو وطهور الماء سواء؛ في اللون، لأبتهل في لحظتها داعياً أن يكون خمراً ممن يكتفي بإذهاب العقول لا الأبصار. أطرقت براسي عنها حتى قامت على طاولتنا

‏(ازازة أهي خلصوها واجيبلكم التانية)

كانت أول ما قالت ليرد عليها الذي تورطنا

(لا معلش هاتي التلاتة دلوقتي)

لم أكترثُ بجدالهم المشتعل، وصبرتُ حتى وضعتْ الزجاجة وفارقَتْها يدها،


حمدت فعلها إذ نسيت فتحها، وكان همي منصباً على فتحها بنفسي، لأنقض عليها ممسكاً باحثاً عن أثر مميز في الغطاء، ما أبصرت الذي كنت أبحث عنه حتى سمعت دوي تهشم الكؤوس التي أفلتتها في جفلتها عندما رأت فعلي، لتندفع متشبثة بعنق الزجاجة باذلة جهدها في ستر الغطاء عني، لأرى بوضوح (خاتم خطبتها) بعدما زال غشاء زيفه الأصفر وظهر لحاء الحق الابيض، مشبوكاً به شعرات جعداء خشنة قصيرة، كريهة الرائحة كميّته، لأرفع بصري طلباً لمواجهتها، فيستوقفني مشقوق جيب صدرها الموشك على الافلات لولا شدادة احكمت كفيّها عليه رفقة (لفافة مالية) عرفت فيها نقود الأخرق الذي يجالسنا، لتدهمني بزفيرها المعبأ برائحة عصارة معدتها وقيئها، 

لأبصر وجهها عن قرب وقد زال تبرجه؛ مائل للصفرة يعلوه عينين زائغتين، وشفاة فقدت طلائها فظهر بياضها، وأثر بلل منتشر لم تحسن تجفيفه،

لأعد نفسي للصراخ بها بعدما فقدت كل أثر لعقل لولا ما رأيت وجمّد الصياح في حلقي لحظة انتصابي قائما،

(الوريث)

كان باسم الثغر واقفاً خلفهاً،

. .

. .

مرت ثوان قبل أن أعود إلى وجه اللعينة التي تشاركني التشبث بعنق الزجاجة، وجه ينضح بألم وأمل، شبق وذكاء، وفم يهمس برجاء،

(سجنوا حبيبي يا بااا

عملوني عليه سجاان)

كان ذات المقطع الذي حال بيني وبين سمع همسها يتردد بلا انقطاع وكأني به قد تحول إلى تعويذة أُلقيت على كل المتواجدين، حتى المعلم الذي فارق مكتبه ليلتحق بجموع المتراقصين غير مكترث بصراعنا الذي تجمد على لحظة تشبثنا سويا بذات الزجاجة وذات العنق،

لحظة حسبت أنها ستستمر للأبد لولا ما انتزعنا مما كنا فيه

(ترابيزة يا معلم هنا وتلت كراسي للبهوات، ولا اقولكم يا بشوات )

كانت عبارة المضيفة الدامعة العائدة هذه المرة بصيدها والتي ذكرتني بذات العبارة التي استقبلنا بها، لأفلت الزجاجة وألتف إليها التفاتة قطعها بغتة انقطاع التيار الكهربي، ليعود الظلام ضاربا بعتمته محيطنا، متخلّلا لدواتنا، مخالطا أركان أبداننا،

. . .

(وربنا شكله يوم مش حيتنسي)

كانت العبارة الوحيدة التي شقت الظلام لسمعي، ممن أحسبه أحدث الرواد الجدد سناً

. . .

. . . . .


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة