U3F1ZWV6ZTUwNDA3OTUwNjI0MDg4X0ZyZWUzMTgwMTY5NDA3MjY3MA==


 

في البدء (الفصل الأول)




في البدء كان مولوداً يبكي مستقبلاً لا يعلم كيف تنبأ بسواده، ثم رضيعاً تلقفته يدا جدة تجاوزت السبعين،  فطفلاً لا يعرف معنى الديار، وكيف ذا وهو يتنقل من دار إلى دار؟

ليصبح فتىً لا يصادق من الدنيا إلا أكواماً من الصفحات رافقته في حله وترحاله، ثم مراهقاً يظن في نفسه الخواء وفي وجهه الدمامة؛ خجولاً كالعذراء في خدرها، سميناً كمن التهم طعام قومه،  لا يكلم إلا من بدأه بكلام،  ولا يصادق إلا من بدأه بصداقة. 

كم أحب من الفتيات بينه وبين  نفسه، ولكم أقام في خياله من ممالك الحب كما يقيم الأطفال قصور الرمال على شواطئ المرح، لتتهاوى بعدها بلحظات!! 

حتى وجدها فأحبها كما لم يحب أحدٌ من البشر أحداً، وهكذا قال لها: (بحبك من غير شروط وحتى لو محبتنيش ححبك  حب يكفي قلبي وقلبك وحتى لو مت وجسمي اتدفن فروحي حتفضل تحبك...)

كم كان أحمقاً، هكذا عرف كيف تكون المشاعر المطلقة كما السلطة؛ مفسدة مطلقة.

تركته، وليتها تركته كما وجدته؛ فقد أبت إلا أن تحفر في وجدانه كل وشوم الألم ووسوم العذاب،  لم تعلم يومها أنها أطلقت المارد من قيده، وأخرجت الذئب من وكره؛ ليُقسِم لها يومها أنه سيلعنها كل صباح؛ سيذكرها في كل تجربة؛ وسيحارب تحت راية خيانتها كل نساء الأرض، سيغزو باسمها أطناناً من الأجساد ومئاتٍ من القلوب، وسيذكر اسمها على كل أضحية يقدمها على مذبح حبه المقتول.. 

كم كنت واهماً يا صغيري، وكم كنت أحمقاً؛ أظننت أنك من تترك علاماتك ولا تحمل روحك وزر خطاياك؟  هل تساءلت لمَ تختنق وكأن صدرك يطبق عليه جبل!!

 فلتعلم إذن أن كل غزوة غزوتها تركت بك من الجراح أكثر مما تركت أنت في أجساد وأرواح الشعوب المكلومة في كرامتها، كيف فقدت إنسانيتك رويداً رويداً وشيئاً فشيئا؟؟ وتحولت لصنم أصم تتفنن في إهدار كرامة من أحبوك بصدق وأنت لا تعلم. 

وها أنت ذا بعد قرابة عقدين من الزمان أفنيتهم في معاركك، قد مل سيفك وانكسر رمحك ونفذت سهامك؛ ترى معجزة تتحقق، وهي أنه لازال بك قلب ينبض، قلب يحب ويهفو لمن أحب، تهتم لها ولو تجاهلتك، تغار وإن أهملتك، تتعلق بها كطفل يتعلق بأمه في زحام الموالد خشية الضياع.. 

ولكن تأتي المشاعر بما لا تشتهي القلوب؛ 

ويا لسخرية الزمن!! يا من أهلك أعوام عمره في الصيد؛ ها أنت تسقط فريسة سهلة لكلمة من حرفين؛ تقاتل معركتك الأخيرة بجسد منهار وروح مظلمة تترجى ضياءً فلا تجده، وتطلب رحمة لا تستحقها،

 نصيحتي لك يا رفيق رحلتي وصديق دروبي ترجل عن فرسك وأطلقه، أغمد سيفك واكسره؛  واجث على ركبتيك ويمم وجهك شطر ربك واسأله الرحمة في الآخرة، ولا تطمع في أكثر، وتقبل ألمك فهو حق عليك..


رابط لاقتناء نسخة ورقية من رواية (في البدء) عن طريق الناشر




 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة