في البدء ضللت الطُرق فكان دربي، وفقدت السُّبل فكان سبيلي، روحاً هائمة في جسدٍ بالٍ يتوق لما يحويه فيحتويه، يُسكنه ويُأويه؛ وبرغم ما مر فكان؛ مضت بنا الأيام لهذا المكان؛
انظره بمقلتين غامتا في دمعهما، أنشده ترنيمتي الأخيرة قبل الفراق
Love Is a Killer
(كيوبيد في ردائه الأسود)
(يسدد سهامه لقتلي)
(وأين؟ في ظهري)..
وحقا ً كان قاتلا ً، وتباً له من كيوبيد، ينتصب في وقفته يتمايل حاملا ًقيثارته، لا بل كانت بلطته، يحصد بها النغمات وأرواح سامعيها على السواء، يرمقني في برود غير مبالٍ لما سال من دمي على يديه؛ يا لها من نظرة. لا أنفك اذكرها!
مهما مضت بي الأيام والسنون، كانت كنظرته لي يوم أول لقاءاتنا، وللعجب افترقنا على التقائنا؛
عزف بعزف وبرود ببرود؛
يا له من يوم؛
عائدة من سَمرٍ شتوي أشق طريقي صوب منزلي، أصل أول شارعي لأجد شجاراً أغلق المنافذ كلها، لأعود أدراجي وأبحث عن مدخل آخر، لا أحب البقاء بمفردي طويلاً في طرقات هذه المدينة، فالمتحرشون لا يكفون يداً وإنْ كفوها لا يكفون لساناً
لأدخل إلى ما يليه ويوازيه، مسرعة الخطى أنظر ساعتي كأني أتعلق بعقاربها طوق لنجاتي، لأبصر رهط من الفتية والفتيات في ربيع العمر؛ متحلقين متمايلين إستجابة لنغمات مألوفة لي، لم أحدد مصدر الصوت بداية لبعد المسافة ليتضح لي مع إقترابي ما أخفته الاجساد المتحلقة عني؛
شاب ضخم الجسد متين البنيان شديد السمرة يحمل قيثارة خشبية يداعبها ويغني برفقتها، وآخر على يساره يجلس على (كاخون؛ آلة إيقاعية إسبانية) يدق عليها بيديه ليصنع إيقاعاً يناسبها، واخيراً هو؛ لعنتي؛
مستنداً بظهره إلى جدار يجاور إحدى المحال المغلقة؛ في حلة جلدية سوداء اللون؛ وكأني به أحد أيقونات الروك في السبعينات قد بعث في قاهرة أول الألفية؛
أتعلم؟
انتبهت الآن للمقطع الذي صاحب وصولي غناؤه؛
(But you can never leave)
(لن تستطيع المغادرة ابداً)، نعم هو ذا آخر كلمات الأغنية الشهيرة (فندق كاليفورنيا)،
أكانت مصادفة؟
أم أنه ذات القدر الذي حول مسير أقدامي من دربي اليومي إلى دربه لألقاه، كان يحاول تنبيهي على ما سأُقدم عليه، وما على يديه سألقاه؟
وكان أول ما لقيته منه هو عزفه المنفرد بعد انتهاء الغناء، اللعين كان ماهرا؛ تنساب أنامله على الأوتار سلسة، ليسلسل بها المنصتين؛
وما أنْ انتهى حتى دوى التصفيق الحار من جمع المتحلقين المزدادين؛ لأنتبه أنَّ الأرض قد بسط عليها حقائب القيثارات مفتوحة، دعوة لنضع بها مالاً يقابل ما حصلنا عليه من متعةٍ للأسماع؛
وضعت يدي في حقيبتي وأخرجت منها ورقات مالية واتجهت صوب الحقيبة الاقرب له (خمنت انها حقيبته)، ملت بجزعي واضعة ما بيدي؛ لأنتصب محدثة له ولأول مرة:
- (تجيدون عزف أغنية روكسان؟)
نظر لي نظرة لم أعتدها هنا؛ فالجميع يتحلق حولي مبدين إهتماماً زائفاً ؛ وتودداً متملقاً؛
إلَّا هو؛ نظرني بغير اكتراث، ولم يحرّ جوابا مسموعا ولكن أومأ براسه أنْ نعم؛
أغاظني وبشدة تجاهله هذا، كدت أنْ أعود وأحمل ما وضعت من نقد وأنطلق راحلة؛
إلَّا انّي بقيت ولا تسألني ما أبقاكِ؛ فوحق السماء لا أعلم؛
لعلها مهارته في العزف وإنْ كنت رأيت هنا من هم أمهر منه، او قد يكون انتظاري لأدائهم الذي سيكون بطبيعة الحال رديئا فتكون فرصتي لأنتقص منه هذا المغتر الأحمق؛
ولعل تجاهله استفز أنوثتي؛
أتبدي عدم اكتراث بي، حسنا أصبر وأنظر كل الجمع عما قليل يتهافتون علي؛
التفت محدثاً رفيقه الضخم:
- (هنلعب روكسان الاكويستيك فيرجين، بس من غير صولو)
لينطلقوا على اثر توجيه في أداء ما طلبت أنا، وللأسف كانوا جميعا بارعين؛ عقدت ساعدي أمام صدري اتأمله؛ شاعرة بوخزات نظرات الذكور من المتحلقين؛
لتحين منه نظره بادلني فيها التأمل؛ صوب ناظريه في صعوداً وهبوطاً؛ وهنا شعرت بانتصاري؛ ها أنت تبدي ما حاولت اخفائه، ولكن أبت عيناك إلَّا فضحك؛
وسحقاً لم يدم انتصاري طويلاً، إذْ أرسل رأسه للخلف مغمضاً عينيه بعد أن ملأها من معين جسدي؛
داهمني شعور جارف لحظتها يدفعني دفعاً لصفعه؛ ويبدو أنه شعر او خمّن شعوري إذْ عاد برأسه للأمام فجأة؛ مطلقاً سهم نظرته نحو عيني فشقت الهدف شقاً؛ لنظل على تلك الحال حتى أتموا عزفهم؛
ليصاحب التصفيق خاتمة حفلتهم الصغيرة، إذ شرعوا في جمع أدواتهم بعد انتهائهم؛ لينفض الجمع إلا من قليل قاربوهم بغية التعارف كما علمت بعدها؛
مال أرضا ليجمع ما في الحقيبة من مال؛ ليفرغ مكانا للقيثارة؛ التي وضعها كأنه يضع مولودا في فراشه؛ بحنو واهتمام طفحت به يداه وعيناه؛
الوغد يهتم بآله خرقاء ويهمل أنثى!!
زاد فعله هذا من حنقي ؛لأقترب منه رغبة في اشعال أي حوار ينتهي بقتال ولو لفظي، ليقف مقابلاً لي مبادراً بالقول:
- (لا يسعني شكرك، لطفٌ منك للغاية ما صنعتِ )
امتصني بعبارته الغير متوقعة امتصاصاً؛
ظننته اخرق عديم اللياقة، فأذهلني بكلمات شكره؛ أجبته متلعثمة بأنه لا مجال للشكر ههنا إلا له ورفاقه؛ ليلتقط هو خيط الحديث بتمامه:
- (ما اسمك؟)
لأجيب:
- (روكسان؛ من ألمانيا، مدينة بون)
ليستطرد في تساؤلاته برفق عن سبب مجيئي ودراستي وسكني وغير هذا من عامة شؤوني؛
لأنطلق بحماس مفصحة له عن دراستي للغة العربية والثقافة الإسلامية، فقد كنت أعمل أيامها على رسالتي العلمية الأولى عن جوته، وآثرت أن أنتقل للإقامة في الشرق لعدة أشهر أستلهم روحه؛ والتي ظهرت بوضوح في عديد من أعمال موضوع رسالتي؛
كما كانت تدفعني تلقاء الشرق روحاً قلقة شغفة بالروحيات مفارقة للماديات ورثتها عن جدّي لأبي، الذي يبدو أنّي قد ورثت عنه الكثير غير الدم وصلة القرابة، أذكر في صغري حكيه الدائم عن صديقه المصري الذي تزين لهما صورة تتوسط جدار غرفة استقبال منزله الريفي في دريسدن؛ كثيراً ما تأملتها؛ لهما ذات العينين ويتشاركان ذات الحيرة (هو وجدي)،
أحسب أنّي وجدت بعضها في عيني لعنتي المتجسدة في عازف القيثارة، ولكنه كان يحسن اخفاءها، بقناع من البرود، لم يدم طويلا ًبعد أن ازاله مفسحا ًالمجال لعينين يطفقان بالحنو؛
أتعلم؟ لا أنفك أتذكر كم شخصا هو، أهو لعين بارد؟ أم ساخط ماقت، حانق على كل شئ؟ وهو أيضا ًحبيب بارع، يجيد كل ما يفعله أو لعله يجيد اقناعك أنه يجيده؛ لا أدري صدقا ًولا أعلم حقا ًمن هو، بل ما هو؛
ولكن ما تيقنت منه أنه كان آسراً؛ استحوذ علي في لحظات، ليرافقني في سيره نحو عربته، استوقفه أنا بسؤالي:
- (تملك سيارة فولفو، وتعزف في الشوارع مقابل المال؟ )
ليجيب ضاحكاً:
- (أفعل هذا للمتعة وللناس لا للمال، ان أردتي يمكنني أن أعيد لك ما دفعتي)
لأرد عليه مبتسمة:
- (الأفضل أن تدعوني بها إذا على عشاء ساخن، يدفئ من برودة هذه الليلة)
ليميل على أذني في جرأة اعتبرتها وقاحة ولكنها حُببت لي لنبرته في قولها:
- (الوجبات قد تدفء المعدة ولكنها لا تفعل مع كامل الجسد)
يدعوني صراحة لمشاركته الفراش كان إذاً؛ وبحق؛ شعرت برغبة في تلبية دعوته.
تركني لحظات يودع رفاقه ليصحبني بعدها إلى مطعم قريب اتخذنا طاولة وطلبنا شيء ما وتجاذبنا أطرافا ًلحديث دان معظمه له، كان واسع الإطلاع يجيد الانجليزية وقليل للغاية من الألمانية؛ حدثته برغبتي في تحدث العربية فأكد على أن هذا شأني كما أنه من حقه أن يرد باللغة التي تروق له؛
أتعلم كم استغرقت من الوقت لأصبح أسيرة لقيد حديثه الطلق؟
أقل من وقت قدوم الطعام للطاولة،
أيقنت لحظتها أنه سيكون شريك لفراش أصابت البرودة حشوته منذ ان وطأت قدماي أرض هذه المدينة؛
....
أتعجب من قولي هذا؟
أتدري؛ لك الحق في عجبك؛ فأنت لم تكن هناك تسمع له ما يلقيه على مسامعي؛
أحار بما أشبهه حين يتكلم؛
أنبي؟
يتلو ترانيم سماوية؛
أم متمرد؟
يلقي بلسانه ويديه خطبته الثورية ويومها؛ جمهوره الوحيد كنت؛ والحواريّة التي آمنت؛
عن نفسه تحدث فاختصر قائلا (انسان)، وعن وطنه لم يكثر فقال (الكون)، وعن دينه أتم فقال (كل الاديان)،
عرقه بني البشر، والمساواة مذهبه، والحياة إيمانه؛
تحدث عن جفاف الأرواح حديثاً أنّت له روحي؛ ووطء له موطأ في قلبي؛ والذي كان يسلب مني مع حروفه سلباً إليه، يستله كما استل نظري من عيني وعليها استولى؛
أعلم اليوم أنه ما أطلقني في الحديث ساعة أن ترجلنا إلى عربته إلَّا ليعرف دواخلي، فما كان صمته إلَّا سبر لأغواري، الذي نضحت به كلماتي؛
(روحي الضالة) هكذا كان يلقبني، وهكذا صدق في وصفي؛
وللحق كان ذكياً؛ عمل بما علم؛
فدبج الحديث وتبّله؛ واليّ به أرسل؛
فالتهمته التهاماً ومازج اللحم والدم؛
نعم لعل الذهول يعتريك الآن، حق لك، والرب حق لك؛ حتى أنا تنتابني الدهشة الكثير من الأوقات حينما أتذكر انتفاضة قلبي حين تمتد كف كلماته بنبرته العميقة، تحيط بها نظرته الساحبة تعتصر قلبي اعتصارا ً؛
واه واه،
عذرا ًلقد ارتجفت عند تذكري ذاك الشعور؛
تنساب كلماته بداخلي، تعتصر قلبي، فيرسل نبضه إلى أوردتي، تنقله نقلا ً ًإلى أُحشائي، لتنبسط وتنقبض، في تتابع أُرهقت له خلايا جسدي، الذي تعرق حتى ابتلت له ملابسي؛
كان يُعبّد طريقه إلى موطن عفتي؛ كما مهد إلى المنزل طريق عودتي؛ لنقف أسفل بنايتي؛
أدار نظره في وجهي ومد يده ليصافحني!!
اللعين كان يريدني أن أستجديه ليصحبني؛ لا يريد أن يطلبها بل أن يكون المطلوب وهو من يجيب؛ وصدقا ًلم استطع عليه صبرا ً؛ احتضنته لأسأله أن يرتقي معي الدرج إلى شقتي، لنشرب شيئا؛ ليرحب فورا ً؛
حمدا ًللرب لو ماطل لكنت قتلته من فوري؛
وفي لحظات كنا هناك؛ بين الجدران التي شهدت إلقاء أول اللعنات؛ ودائما ًأول الأشياء أبقاها؛
سألته عن شرابه المفضل وهو ينزع سترته الجلدية؛ ليظهر قوامه المتناسق أكثر بريقا ًفي نظري ليجيبني بألا أزعج نفسي، ولكن يريد أن يسمع شيئا يستشف منه ذوقي؛
لم أفكر مرتين وذهبت مسرعة لأنتزع اسطوانة، وأتجه بها إلى مشغلها ليوقفني صوته
(Damn your eyes)
(اللعنة على عينيك)
كيف علم أنّي من بين كل أسطواناتي سأختار تلك تحديداً؟
نعم؛ كانت رائعة (إيتا جيمز) هي ما اخترت لتحدثه بلسانها عن حالي معه؛ ويبدو أنّه يجيد التوقع او قراءة الأفكار فعلم ما لم أعلمه أنا حتى اخترته؛ اقترب مني انسياباً صحبه الكلمات المعبرة عني قبل لقائه
(كنت أحدث نفسي بأن حال الوحدة افضل لي)
(أستطيع عمل ما أريد ، ولا أحتاج أحد بجواري)
ليصل الي مع آخر كلمة وينتصب امامي؛
(حتى رأيتك وتذكرت كيف كان غبائي)
(فكل ما اريد الان هو اعلان استسلامي)
ليحيط وجهي بكفيه ويصوب نحوي مُقلتيه؛
لتصيح ايتا بقولها
(اللعنة على عينيك، يأخذون أنفاسي بعيدا)
(اللعنة على عينيك، يأمروني بالبقاء قريبا)
هذا آخر ما أتذكر من كلماتها، ولا أتذكر الّاه بعدها؛
عانقني فاعتنقني وتغشّاني فأغّشاني؛ ثم إلى بحار شبقه حملني فألقاني؛
لوحت بأذرعي وطلباً لحياة همسته فهمسني؛
لينجيني؛ وإلى مرفأه شد مرساتي وجذبني؛
انتهيت انا فما انتهى؛ ورفقا بحالي استكان يومها؛
ضمني اليه؛ واشعل لفافة تبغ نفث دخانها بهدوء من بين شفتيه؛ وللعجب اصابتني الغيرة مما بين يديه؛ لنغط بعدها في نوم عميق حتى علا صوت هاتفه لنفيق؛
انهى اولى المكالمات باسم الثغر، لينطلق بعدها في عدة اتصالات بدا عليه الضيق بعدها؛
سألته عن الأمر فأجابني اختصارا:
- (هناك عمل متاح وجيد في شرم الشيخ للفرقة بأكملها، ولكن المغني لا يستطيع مصاحبتنا لظروف خاصة به)
سألته عن عمله بالصحيفة وكيف يوفق بين الاثنين، فأجابني بانه طلب اجازة مؤقتة واستجاب لها مديره؛ إذا كان سيخلفني وراءه ويرحل بعد اول ليلة لنا معا؛
لعنت حظي البائس ساعتها، لينتزعني من سواد تفكيري بطلب الإذن بدخول الحمام للاغتسال والتجهز، كدت أرفض لأجبره على البقاء، ولكن أجاب لساني بالقبول؛
تنهدت محاولة استجماع انفاسي التي بعثرها بالأمس؛ لأقوم بالتقاط هاتفي مُجرية عدة اتصالات ايضا تفتق عنها ذهني؛ لاقف امام باب الحمام المغلق عليه ماسكة بمنشفة نظيفة؛
اعرف كيف يفكر الشرقيين فلا تتعجب؛ يريدونها في الفراش عاهرة وفي المسجد عابدة وفي المنزل خادمة؛
فتح الباب ليخرج فوجدني ليبتسم ويلتقطها مني؛ ليستر عريه بعد أن جفف نفسه؛
وهنا صارحته بما فكرت فيه؛
- (أتعلم؛ انا اجيد الغناء، كنت في كل فرق الكورال المدرسية وايضا في كورال الكنيسة وأنا صغيرة)
دهش لما سمع، وعقد حاجبيه،
لا تحتاج كثير جهد لتدرك أنه علم بما افكر فيه؛
لينظر إلي ثانية وكانه يطلب مني الاسترسال؛
- (اجيد غناء البلوز والكثير من اغاني الروك ايضا، انا احب الروك؛ صدقني)
اطرق برأسه لثوان قبل ان يجيبني:
- (انها مخاطرة، ولكنها الحياة لا تساوي ثمنها إن لم نخاطر فيها)
تقافذت من الفرحة، وهو منشغل بجمع و ارتداء ما تناثر من ملابسه في ارض غرفة الاستقبال وعلى الاريكة التي شهدت اول ترانيمنا؛
نعم؛ كان يطلق عليها ترانيم الحب (هلمِ أعزفك) ذا ما كان يقول لي؛
امرني لأتحضر للرحيل مع انطلاقه خارجا ليعود الى منزله ليستجلب احتياجاته؛ لنتلقي مساءا صحبه باقي الفرقة، لنلحق بحافلة السفر سوياً؛
هل لي ان التقط انفاسي قليلا؟
لا؛ تريدني أن أكمل، حسنا سأُتم ما تريد ان احكيه لك؛
كان عملا شيقا، متعة ومال والاقامة مجانية، في ذات النُّزل الذي نقدم فيه عرضنا اليومي ليلاً؛ كانوا بارعين وكذلك كنت انا؛ ما استغرقت الا ساعات حتى تناغمت مع آلاتهم؛
اذكر قبل اول عرض، مال علي يقبلني، بل امتصني حتى استنشقته واستنشقني؛
(ستكونين رائعة) وهذا ما حدث بالفعل، كان يوما مشهودا و نجاحا ملفتا؛
أتدري؛ حسبت وقتها اني قد وجدت الجنة الموعودة، او أدركت عين الخلود التي بحث عنها جوته في ديوانه الشرقي (ينبوع الشباب)
نعم، كان معينا لا ينفذ من الحب؛
حتى كان يوم علمت فيه ما علمت فخرجت صحبة صديقات بقية أعضاء الفرقة لابتاع بضعة أشياء؛
لأعود إلى غرفته؛ لأجده ساهم النظر، ممسكا قيثارته الخشبية، جالسا على الارض، عاري الجزع؛ وكان يغني
(God was never on your side)
(الرب ابدا لم يكن في صفك)،
تعجبت لأني اعلم انه ملحدا ًلا يؤمن بخالق البتة؛
يبدو انه لم يشعر حتى بدخولي ولا اقترابي؛ حتى دنوت منه؛ ألمح دمعات ترقرقت من عينيه؛
ماذا؟؟؟؟
أتبكي مثلنا؟
كان الذهول ما سمّر يدي بادئ الأمر؛ لأتغلب عليه واحتضنه مقبلة جبينه:
- (حبيبي ماذا بك)
أطرق صامتها ً؛
ليرفع بعدها راساً تتوسطهما عينين أراها لأول مرة؛ و لتكتمل دهشتي أجابني بنبرة صوت لم أسمعها قبلا:
- (أتألم)
كانت إجابته و (مم) كان سؤالي
- (من كل شيء؛ من كل شيء)
أردت أنْ ابتعد بالحديث عن ألمه وانطلق به عن غنائه؛ وليتني ما فعلت:
- (حبيبي ألست ملحدا ًفكيف تغني لرب لا تؤمن بوجوده )
- (أعلم انه هناك ولكنه هو ما يؤلمني)
كان صوته متهدجا حارا ًوهو يقولها؛ لينطلق باكيا ًكالأطفال بعدها؛
- (ألم يغرق الأرض ويهلك الفسدة لقاء خمسة من الأصنام عبدت من دونه؟ فلم يترك كل هذا الفساد، وكل هذه الدماء تراق بين خلقه؛ لمَ لا يفعل شيئا لمَ لمَ)
أوَّاه؛
كان يكتم إيمانه اذا بغشاء الغضب
أسقط في يدي ساعتها وغلبت صمتي مكتفية باحتضانه؛ حتى بدا جسده المهتز بفعل البكاء في السكون، لأتشجع قليلا واميل على اذنه:
- (ألم تلحظ أننا لم نتوقف عن ترانيم الحب يوما واحدا منذ التقينا؟)
أعلم حدة ذكاءه وأعلم أنه لاحظ ذلك كما يعلم يقينا ًأنه مر على أول ترانيمنا معا ٤٠ يوما وليلة؛
سكن جسده تماما ًعندها؛ لينتزع نفسه من بين أحضاني؛ وتمر علي لحظات إطراقه رأسه ثوان حسبتها سنوات تجمد فيها الزمن؛ ليعود الي؛ بعيني القاتل ....
أدرك دهشتك وانت تسمعني أقولها؛ (قاتل) ونعم ذا ما كان منه يومها؛
ببرود فاق حتى ما لقيته من عينيه أول ليلة ترائينا فيها؛ جمدتني نظرته؛ فلم أنبس بحرف حتى قام من جلسته يرتدي قميصه الأسود كعادته؛ ليشمر كميه مهملا احكام غلقه؛ ليكشف عن غابات نمت وترعرعت في صدره؛ مد يده ليظهر ما يخفى أسفل قميصه؛ سلسلته الفضية المزدانة بناب ذئب من العاج؛ يذكرني اذا بحقيقة نسيتها او للدقة تناسيتها؛
ليقطع حبل الصمت بقوله:
- (لنقوم الى عرضنا، إذا شئتِ)
لأستجيب له وأقوم مغالبة دمعات تحجرت تريد الهطول؛
لنصعد سويا الى الخشبة التي ظلّت تجمعنا ما فات من ليال؛ ونبدأ في تقديم وصلتنا؛
حتى انتهينا لينطلق التصفيق المعتاد؛ فاقطع انا المصفقين بطلبي السكون لدقيقة رغبة في التحدث؛ أعلن لهم أن العرض لم ينتهي؛ وأنه لا يزال هناك ترنيمة لم تلق على مسامعهم؛
تعجب اعضاء الفريق غالب سعادة الحضور؛ ليقترب مني وقد تحول برود عينيه بغضب مكتوم:
- (أية أغنية؟)
لأجيبه:
(Love is a killer)
نعم ذات الاغنية التي بدأت لك بها قصتي يا عزيزي؛
ليصمت، وترتسم على شفتيه شبح ابتسامة ساخرة مني؛ ليومئ برأسه أن حسنا فلنفعلها؛
اقترب من بقيتهم وطلب منهم الالتزام بإيقاع رتيب واحد فلا داعي للإبداع في ما لم يسبق عزفه مسبقا و التدريب عليه؛
ليعطي إشارة البدء للترنيمة؛ والنهاية لرحلتنا معاً.
كان هذا آخر عهدي به؛ اذ اقترب مني بعد اصابتي ليجهز علي؛ (لن نتقابل بعد الان)، ثم قبّلني بين عيني؛ ومد يده لي بمظروف به مقابل عملي؛ ليحمل قيثارته ويمضي.
هي ذي قصتنا معا مذ البدء وحتى الفراق؛
فما رأيك يا صغيري؟
أكان خطأي كما اخبرني كل من قابلني
بعد عودتي الى وطني؟؟
اتعلم؛ نعم هو خطأي ، لا شك في هذا ولا جدال؛
ولكن أخبرني بحق الرب ، أنملك ان نوقف شعورا ولد ونمى حتى جال مجرى الدم؟
......................................................
Guten Tag
... مممم أرجو أنْ تعذرني لترددي الذي ستقابله كثيراً، ولعلك أول ما ستقابل تحيتي؛
والتي تحيرت كيف أرسلها لك فأنا لا أعلم على وجه الدقة متى ستقرأ رسالتي تلك؛
ولهذا استهللت كلامي بتحية منتصف النهار؛ لعلها تناسبك؟
لم تتوقف حيرتي عند هذا الحد؛ وأصدقك القول بأني كنت شديد التردد في الإرسال اليك بداية؛ ولكن شعوراً متعاظماً بداخلي منذ أدركت حسابك الشخصي على الوجه الأزرق ألحَّ علي في مراسلتك؛ وكانت صورك الشخصية رفقة إخوتي هي ما حسم الجدل الداخلي؛
آه معذرة لعلي أصبتك بالدهشة؛
أنا (تسورد) ابنك؛
أعلم أعلم كيف تلقيت الخبر وأتخيل جيدا وقعه عليك؛
في البدء أود أن أعتذر ان كنت استفتحت مكتوبي الطويل هذا بحديث امي عنك؛ أدرك أنها كانت غاضبة واكثرت من سبك؛
ولكن أتدرى؛ هذا يعني انها كانت تحبك؛ هكذا النساء يا أبي كلما اشتد حبهن اشتد غضبهن؛ لا خبرة لي مثلك كما ألحظ من نشاطاتك التي أرهقتني في ترجمتها حتى استعنت بـ (مروان) صديقي ذي الأصل العربي لترجمة منشوراتك؛ إنَّه يقول لي إن أباك رائع حقاً، له اسلوب شيق، حتى إخوته الكبار وأفراد عائلته أصبحوا من المتابعين لك؛
أدرك أنك لم تلحظنِ بين كل هؤلاء؛ ولكني لم أكن ألحظ غيرك؛
حسناً حسناً، ها أنا قد تطرقت لما لا يهم الآن، ألم اخبرك أنِّي في أقصى حالات التوتر والتردد معاً؛ أعلم أنَّك ستقدر ذلك؛ هذا ما رأيت منك، تجيد معاملة الخلق على اختلاف مشاربهم؛
أولاً دعني أخبرك عن أمي؛
لقد عادت بعد أنْ تركتها أنت بعدة أيام إلى الوطن؛ تضعني بعدها هنا في دريسدن؛ حيث أقيم مع جدي؛ إنهَّ جد رائع، يجيد العربية بطلاقة، وكثيراً ما كان يتحدث بها مع أُمِّي؛
لقد ذهل هو أيضاً عندما عادت أُمِّي وأنا جنين في أحشائها؛ لم يكن غاضباً منها ولكن ما أدهشه هو اشتراكك في اسم العائلة مع صديقه المصري الذي لم يراه منذ ثلاثينيات القرن الماضي؛
لقد أَخْبَرَتْه بكل شيء عنك، وعن أيامكما معا؛ لم يضع عليها لوماً؛ أخبرها أنه يعلم كيف يصنع الحب بالمحبين؛
ولكن كانت هناك مشكلة بسيطة لي ويبدو أنها لم تكن بذات القدر من البساطة للمحيطين بنا؛ وهي سمرة بشرتي نوعاً ما؛ أُمِّي شقراء وأنا هجين؛ الملاعين من النازيين هنا يصفونني بالنغل المهجن؛ يتنمر بعضهم علي في المدرسة أو في الطرقات؛ ولكنهم ليسوا بالكثرة؛ حتى إنَّ اصدقائي هنا من الألمان والأتراك والعرب لا يشعرونني بشيء من هذا؛
معذرة؛ لعلي أحدثك فيما لا يثير اهتمامك؛ ولكن دعني أخبرك اذاً كيف عرفت بك؛
من تسجيلات الفيديو المصورة التي تركتها امي قبل ان ترحل؛
آه نسيت أنْ أُخْبرَكَ اذاً أنَّها قد توفيت منذ عدة أعوام؛ لقد أصابها المرض الخبيث في الرحم بعد ولادتي بوقت قصير؛ ورغم أنَّها داومت العلاج إلَّا أنَّ القدر كان له رأي آخر؛
فليرحمها الرب؛
حينما علمت بمرضها قررت أنْ تصنع لي وثائقياً منزلياً، يعرفني بها؛ فلقد توقعت الرحيل في إي وقت؛ وبدأت قصتها معك؛ التي تليتها أنا عليك هنا مختصرة قدر الإمكان؛
وحسنا ًفعلت؛ فالحياة من دون أب وأم مريرة مهما أحاطك البقية بالإهتمام؛
ولك أن تتخيل كم من المرات أعدت تشغيل هذه الشرائط التي تحدثني فيها؛
لا بأس الآن؛ فهي وإنْ رحلتْ فقد تركتْ لي ما يذكرني بها؛ ويعرفني بك؛
رباه؛ لا مفر إذاً مما أريد قوله؛ أو بالأحرى طلبه؛ هل يمكنني أن أزورك في مصر؟
أريد هذا للغاية؛ صدقاً اريده؛ وصدقاً أريد لقائك؛ ولقاء إخوتي؛
أتعلم أنِّي شديد الشبه بمحمد؛ أخي الأصغر مباشرة؟
حقاً تأمل صورتي وستدرك هذا فوراً؛
هل يضايقك مناداتي لك بأبي؟
لقد أخبرني السيد (سفيان) أبو مروان أن المسلمين لا يعترفون بالأبناء من دون عقد زواج؛
في البداية قللت من الإهتمام بهذا الأمر لأني ظننتك ملحداً؛ ولكنهم أخبروني أنَّك مسلماً الآن؛ هكذا توحي كتاباتك؛ ولكن هذا لم يفت في عضدي؛ على مراسلتك وطلب لقائك؛
أرجوك لا تقلق من الناحية المالية؛ نحن هنا على ما يرام؛ ولن أطالب بأي شيء؛
أرجوك لا تغضب، فهم من أخبروني عن مسألة الإرث وغير هذا من تبعات نفقة لي عليك وكل ما تزخر به الشريعة من حقوق وواجبات؛
حقاً لا أريد أي شيء إلَّا أن تعود لي أبي؛ كما أنني لن أبقى معك للأبد، بل سيأتيك فقط في أشهر الإجازات؛ هذا ما وعدت به جدي ليسمح لي بمراسلتك؛ وإذا كان لديك شك في كل ما قلت فلا باس ان اردت ان نجري تحليلا يثبت لك صدق قولي؛
اوووه، آسف ان كنت جاوزت الأدب معك؛ بالتأكيد لن يصل بنا الأمر لهذا الحد؛
انظر سأرسل لك صورتك رفقة أمي وصوري رفقتها؛ لتتأكد؛ ليست بجواري الآن، ولكن إنْ أمهلتني قليلاً سأرسلها؛ أعتقد أنِّي قد أنهيت كلامي الآن؛ وأنا في انتظار ردك.
.....
عذراً كنت أريد الإغلاق ولكني لم أستطع قبل أنْ اقول لك
(أرجوك أبي لا تخذلني، أنت يتيم كما أخبرتني أمي وتعلم شعوري)
..............................(حظر المرسل)
(نعم-لا)
.
.
.
.
(نع..)
...
أبي؛ أأنت هنا؟
أنا لم افارق حاسوبي منذ أرسلت أليك؛ ويظهر عندي أنك قد قرأت رسالتي
كاملة؛
هل أنت بخير ؟؟
أبي؛ أأنت بخير أم ما بك؟
لم لا تجيب؟
أرجوك لا تدفعني للقلق.......
أبي
أبي
أب
أب
أ.........



إرسال تعليق